منذ أكثر من ثلاثين عامًا، كنت أعيش في مدينة برادفورد في إنجلترا، وكان ابني محمد لا يزال طفلًا صغيرًا، في ذلك الوقت كنت أدرس اللغة الإنجليزية، وكان محمد يقضي جزءًا من يومه في الحضانة ريثما أنتهي من دراستي وأذهب لاصطحابه
كانت هناك مربية لطيفة تُدعى سو، وما زلت أذكر إلى اليوم كيف كانت تستقبلني أحيانًا بفرحة حقيقية، وكأن محمد قد حقق شيئًا عظيمًا، ثم تقول لي بحماس
«انظري ماذا فعل محمد»
ثم تريني ورقة امتلأت بخطوط وشخبطات ملوّنة
ربما لم تكن تلك الورقة تعني الكثير بعين شخص بالغ، لكنها كانت تعني الكثير لمحمد، كنت أرى في عينيه فرحة طفل يعرف أنه صنع شيئًا بنفسه، وأن ما فعله يستحق أن يُرى ويُحتفى به
بعد كل هذه السنوات، بقيت تلك اللحظات عالقة في ذاكرتي، لأنها علمتني شيئًا بسيطًا لم أنسه منذ ذلك الحين
ما نراه نحن مجرد شخبطة، قد يراه الطفل إنجازًا حقيقيًا
ولعل الأجمل في الأمر أن تلك الشخبطة لم تكن مجرد لحظة لطيفة تستحق الاحتفاظ بها في الذاكرة، ففي كل مرة كان محمد يمسك قلمًا، أو يضغط به على الورقة، أو يحاول التحكم بحركة يده، كانت أصابعه وعضلات يده الصغيرة تتعلم شيئًا جديدًا
وهذا بالضبط ما نعنيه عندما نتحدث عن المهارات الحركية الدقيقة، وهي الحركات الصغيرة التي تعتمد على عضلات اليدين والأصابع والتنسيق بين العين واليد، والتي يحتاجها الطفل لاحقًا في الكتابة، والقص، وفتح الأزرار، واستخدام الملعقة، وربط الحذاء، والكثير من تفاصيل حياته اليومية
والجميل أن تنمية هذه المهارات لا تحتاج دائمًا إلى دروس رسمية أو أنشطة معقدة، فكثير من أفضل فرص التعلم موجودة أصلًا في اللعب اليومي
١ ـ دعوهم يشخبطون
قبل أن يتعلم الطفل كتابة الحروف، يتعلم أولًا أن يترك أثرًا على الورقة
نقاط، خطوط طويلة وقصيرة، دوائر غير مكتملة، وأحيانًا شخبطة كبيرة تبدو وكأنها تريد الهروب من حدود الصفحة
عندما يمسك الطفل القلم، ويضغط به على الورقة، ويغيّر اتجاه يده، فهو يتدرب على حركات سيحتاجها لاحقًا عندما يبدأ بالكتابة
لذلك لا تحتاج كل جلسة رسم إلى تعليم أو تصحيح، أعطوه الورق والألوان واتركوا يديه تكتشفان ما تستطيعان فعله
٢ ـ العبوا بالعجين
العجين من أبسط الألعاب التي يمكن أن تتحول إلى تمرين ممتاز لليدين
عندما يعصره الطفل، ويفرده، ويلفّه، ويقطعه إلى قطع صغيرة، فهو يقوي عضلات أصابعه وراحتي يديه من دون أن يشعر أنه يقوم بتمرين
يمكنكم أن تطلبوا منه صنع كرات صغيرة، أو ثعابين طويلة، أو أشكال يحبها، لكن لا تجعلوا النتيجة أهم من اللعب نفسه
أحيانًا تكون أجمل فائدة في النشاط هي تلك الحركات الصغيرة التي تتكرر عشرات المرات أثناء اللعب
٣ ـ دعوهم يلتقطون الأشياء الصغيرة
التقاط الخرز الكبير، أو قطع الألعاب الصغيرة الآمنة، أو الكرات القطنية، يساعد الطفل على تطوير قدرته على استخدام الإبهام والسبابة معًا
ويمكن جعل النشاط أكثر متعة بوضع الأشياء في وعاء وطلب نقلها إلى وعاء آخر باستخدام الأصابع أو ملقط مناسب للأطفال
هذه الحركة البسيطة جدًا تشبه كثيرًا الحركات التي سيحتاجها الطفل لاحقًا عند الإمساك بالقلم والتحكم بالأشياء الصغيرة
وطبعًا يجب أن تكون جميع القطع مناسبة لعمر الطفل وتحت إشراف شخص بالغ
٤ ـ شجعوهم على البناء والتركيب
المكعبات، وألعاب التركيب، والقطع التي تدخل إحداها داخل الأخرى ليست مجرد وسيلة لإبقاء الطفل مشغولًا
في كل مرة يحاول الطفل تثبيت قطعة في مكانها، أو بناء برج دون أن يسقط، فهو يستخدم أصابعه وعينيه معًا، ويتعلم التحكم بالقوة والاتجاه والمسافة
وإذا سقط البرج، فهذه ليست مشكلة
إعادة بنائه جزء من التعلم أيضًا، وربما أهم من البرج نفسه
٥ ـ أدخلوا الأطفال إلى تفاصيل الحياة اليومية
ليست كل فرصة للتعلم موجودة داخل لعبة
فتح علبة، إغلاق سحّاب، استخدام الملعقة، عصر إسفنجة، سكب الماء في كوب صغير، تقليب الطعام، أو محاولة إغلاق زر في قطعة ملابس، كلها مواقف يومية تساعد على تنمية المهارات الحركية الدقيقة
وقد يستغرق الطفل وقتًا أطول عندما يفعل هذه الأشياء بنفسه، وقد يسكب بعض الماء أو يضع الزر في المكان الخطأ
لكن أحيانًا يكون منح الطفل وقتًا إضافيًا للمحاولة أهم من إنجاز المهمة عنه بسرعة
٦ ـ اجعلوا القص واللصق جزءًا من اللعب
استخدام المقص الآمن للأطفال يحتاج إلى الكثير من التنسيق بين اليد والعين
يمكن البدء بقص خطوط عريضة وبسيطة، ثم الانتقال تدريجيًا إلى الأشكال والمنحنيات عندما يصبح الطفل أكثر قدرة على التحكم بالمقص
أما اللصق وترتيب القطع الورقية ووضعها في المكان المطلوب، فيضيف طبقة أخرى من التدريب على الدقة والتنسيق
ولا يجب أن تكون النتيجة مثالية
إذا انتهى النشاط بصورة غريبة لا تشبه ما كان مخططًا له، فقد يكون هذا بالضبط ما يجعلها أجمل بالنسبة إلى الطفل
٧ ـ اتركوا لهم مساحة ليفعلوا الأشياء بأنفسهم
ربما تكون هذه أهم فكرة في القائمة كلها
عندما نحاول مساعدة الطفل بسرعة في كل مرة يواجه فيها صعوبة، قد نحرمه من بعض أفضل لحظات التعلم
دعوه يحاول الإمساك بالقلم وحده، أو تركيب القطعة، أو فتح العلبة، أو إنهاء الرسم بالطريقة التي يريدها
يمكننا أن نساعد عندما يحتاج فعلًا إلى المساعدة، لكن ليس من الضروري أن نسبقه إليها في كل مرة
فالمهارات الحركية الدقيقة لا تنمو فقط من خلال حركة اليد، بل من خلال التكرار، والمحاولة، والصبر، والشعور الجميل الذي يأتي عندما ينجح الطفل أخيرًا في فعل شيء بمفرده
الأيدي الصغيرة تكبر
اليوم، بعد أكثر من ثلاثين عامًا على تلك الأيام في برادفورد، أصبح محمد في الحادية والثلاثين من عمره، وبعد أشهر قليلة سيصبح أبًا هو الآخر
وأحيانًا أفكر بتلك الحضانة الصغيرة، وبسو، وبالفرحة التي كانت تظهر على وجهها وهي تريني ورقة مليئة بالشخبطة وكأنها تحمل خبرًا يستحق الاحتفال
ربما لم أكن أعرف وقتها أن تلك الذكريات ستبقى معي كل هذه السنوات، أو أنها ستصبح يومًا جزءًا من الفكرة التي تقف خلف أيدٍ صغيرة، مهارات كبيرة
لكنني أعرف اليوم شيئًا واحدًا
الأيدي الصغيرة التي نمسكها اليوم لن تبقى صغيرة إلى الأبد، وستكبر يومًا لتكتب، وتصنع، وتعمل، وربما تمسك بيد صغيرة أخرى
ولهذا تستحق تلك المحاولات الصغيرة أن نلاحظها، وأن نفرح بها، وأن نعطي أطفالنا الوقت والمساحة ليشعروا بأن ما صنعته أيديهم الصغيرة مهم فعلًا